أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

451

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

حرّة ، وجمعها على « حرائر » محفوظ أيضا ، يقال : حرّ الغلام يحرّ حرّيّة . قوله : فَمَنْ عُفِيَ يجوز في « من » وجهان : أحدهما : أن تكون شرطية . والثاني : أن تكون موصولة . وعلى كلا التقديرين فموضعهما رفع بالابتداء ، وعلى الأول يكون « عفي » في محلّ جزم بالشرط ، وعلى الثاني لا محلّ له ، وتكون الفاء واجبة في قوله : « فاتّباع » على الأول ، ومحلّها وما بعدها الجزم ، وجائزة في الثاني ، ومحلّها وما بعدها الرفع على الخبر . والظاهر أنّ « من » هو القاتل ، والضمير في « له » و « أخيه » عائد على « من » و « شيء » هو القائم مقام الفاعل ، والمراد به المصدر ، وبني « عفي » للمفعول وإن كان قاصرا ، لأنّ القاصر يتعدّى للمصدر كقوله : فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ « 1 » . والأخ هو المقتول أو وليّ الدم ، وسمّاه أخا للقاتل استعطافا له عليه ، وهذا المصدر القائم مقام الفاعل المراد به الدم المعفوّ عنه . وعفا يتعدّى إلى الجاني وإلى الجناية ب « عن » ، تقول : عفوت عن زيد ، وعفوت عن ذنب زيد ، فإذا عدّي إليهما معا تعدّى إلى الجاني باللام وإلى الجناية بعن ، تقول : عفوت لزيد عن ذنبه ، والآية من هذا الباب أي : فمن عفي له عن جنايته . وقيل « من » هو وليّ الدم ، أي : من جعل له من دم أخيه بدل الدم وهو القصاص أو الدّية والمراد ب « شيء » حينئذ ذلك المستحقّ ، والمراد بالأخ المقتول ، ويحتمل أن يراد به على هذا القول أيضا القاتل ، ويراد بالشيء الدية و « عفي » بمعنى يسّر على هذين القولين ، وقيل : بمعنى ترك . وشنّع الزمخشري على من فسّر « عفي » بمعنى « ترك » قال : فإن قلت : هلّا فسّرت « عفي » بمعنى « ترك » حتى يكون « شيء » في معنى المفعول به . قلت : لأنّ عفا الشيء بمعنى تركه ليس يثبت ، ولكن « أعفاه » ومنه : « وأعفوا اللّحى » « 2 » فإن قلت : قد ثبت قولهم : عفا أثره إذا محاه وأزاله ، فهلّا جعلت معناه : فمن محي له من أخيه شيء . قلت : عبارة قلقة في مكانها ، والعفو في باب الجنايات عبارة متداولة مشهورة في الكتاب والسنة واستعمال الناس فلا يعدل عنها إلى أخرى قلقة نابية عن مكانها ، وترى كثيرا ممّن أن يكون خبر « الأداء » كما تقدّم في الوجه الرابع من رفع « أداء » . والهاء في يتعاطى هذا العلم يجترئ إذا أعضل عليه تخريج وجه للمشكل من كلام اللّه على اختراع لغة وادّعاء على العرب ما لم تعرفه ، وهذه جرأة يستعاذ باللّه منها » . قال الشيخ « 3 » : « إذا ثبت أنّ « عفا » بمعنى محا فلا يبعد حمل الآية عليه ، ويكون إسناد « عفا » لمرفوعه إسنادا حقيقيا ؛ لأنه إذ ذاك مفعول به صريح ، وإذا كان لا يتعدّى كان إسناده لمرفوعه مجازا لأنّه مصدر مشبّه بالمفعول به ، فقد يتعادل الوجهان : أعني كون عفا اللازم لشهرته في الجنايات و « عفا » المتعدّي بمعنى « محا » لتعلقه بمرفوعه تعلقا حقيقيا » فإن قيل : تضمّن « عفا » معنى « ترك » فالجواب أنّ التضمين لا ينقاس ، وقد أجاز ابن عطية أن يكون عفا بمعنى ترك . وقيل إن « عفي » بمعنى فضل ، والمعنى : فمن فضل له من الطائفتين على الأخرى شيء من تلك الدّيات ، من قولهم : عفا الشيء إذا كثر . وأظهر هذه الأقوال أوّلها .

--> ( 1 ) سورة الحاقة ، آية ( 13 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 13 ) .